ads
السبت 09 مايو 2026 الموافق 22 ذو القعدة 1447
تحيا مصر تحيا مصر
رئيس مجلس الإدارة
سامح جابر
ads

سعيد السعيطي: مضيق هرمز لا يهدد الطاقة فقط.. بل يضغط أيضًا على الزراعة والأمن الغذائي في مصر

مضيق هرمز
مضيق هرمز

أكد الدكتور سعيد السعيطي، خبير الإدارة الاستراتيجية والتميز التشغيلي، أن التعامل مع مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر حيوي للنفط والغاز لم يعد كافيًا لفهم حجم المخاطر المرتبطة به، موضحًا أن هذا الممر بات يمثل نقطة ضغط مباشرة ليس فقط على أسواق الطاقة، بل أيضًا على الزراعة ومدخلات الإنتاج والأمن الغذائي، خاصة في الدول التي تتأثر بحركة التجارة الإقليمية وتقلبات أسعار الأسمدة والطاقة. ويأتي ذلك في ظل حقيقة أن المضيق مرّ عبره في 2024 نحو 20.9 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية، بما يعادل أكثر من ربع تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا ونحو خُمس استهلاك العالم من السوائل البترولية، إلى جانب مرور نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا عبره.

وقال السعيطي إن الصورة الشائعة عن مضيق هرمز تركز غالبًا على الطاقة، لكنها لا تعكس الصورة الكاملة، لأن هذا الممر يرتبط أيضًا بتدفقات مواد أساسية تدخل مباشرة في الزراعة، مثل اليوريا، والأمونيا، والكبريت، وبعض خامات الأسمدة، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه أزمة ممتدة تتجاوز الوقود لتصل إلى تكلفة الغذاء والإنتاج الزراعي. وتشير تقديرات حديثة استندت إليها منظمة الأغذية والزراعة إلى أن منطقة الخليج تمثل وزنًا كبيرًا في تجارة مدخلات الأسمدة، بما يشمل نحو 34% من تجارة اليوريا العالمية ونحو 49% من تجارة الكبريت، وهو ما يفسر لماذا يتحول أي توتر في هذا المسار سريعًا إلى ضغط مباشر على تكلفة التسميد والزراعة.

وأوضح أن هذه المسألة تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لمصر، لأن التأثير لا يظهر فقط في ارتفاع أسعار الوقود، بل يمتد أيضًا إلى تكلفة السماد، والنقل، والري، ومدخلات التشغيل الزراعي. وأضاف: “حين ترتفع تكلفة الشحن أو تتعطل الإمدادات أو تقفز أسعار الأسمدة، فالأثر لا يبقى في حدود السوق العالمية، لكنه ينتقل سريعًا إلى المزارع، ثم إلى تكلفة الإنتاج، ثم إلى المستهلك النهائي”. وتؤكد الفاو هذا الاتجاه، إذ أشارت في مارس 2026 إلى أن اليوريا الحبيبية في الشرق الأوسط ارتفعت 19% في الأسبوع الأول من مارس، بينما قفزت أسعار اليوريا المصرية 28% خلال الفترة نفسها، مع توقع أن تكون أسعار الأسمدة عالميًا أعلى بنحو 15% إلى 20% في النصف الأول من 2026 إذا استمرت الأزمة.

وأشار السعيطي إلى أن وجود بدائل للممر لا يعني أن الخطر قد انتهى، لأن هذه البدائل، سواء عبر بعض خطوط الأنابيب أو عبر مسارات بحرية أطول، يمكنها فقط أن تخفف جزءًا من الضغط، لكنها لا تستطيع أن تعوض بالكامل الأحجام الكبيرة التي تمر عبر المضيق بصورة طبيعية. فالسعودية تمتلك خط الشرق–الغرب بطاقة تصل إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا، والإمارات تمتلك خط أنابيب إلى الفجيرة بطاقة تقارب 1.8 مليون برميل يوميًا، بينما تظل قدرة بعض البدائل الأخرى محدودة. لكن حتى مع هذه المسارات، تؤكد التقديرات أن القدرة الفعلية المتاحة للالتفاف حول هرمز تبقى أقل بكثير من إجمالي التدفقات التي تمر عبره.

وأكد أن مصر تتأثر من أكثر من زاوية في الوقت نفسه، فهي من ناحية تواجه ضغوطًا محتملة على تكلفة الغذاء والطاقة ومدخلات الزراعة، ومن ناحية أخرى تتأثر بأي اضطراب في حركة التجارة الإقليمية، فضلًا عن أن أي تحول ممتد إلى مسارات بحرية بديلة أطول ينعكس أيضًا على إيرادات قناة السويس. وفي هذا السياق، أوضح صندوق النقد الدولي أن تجارة قناة السويس تراجعت 50% على أساس سنوي في أول شهرين من 2024، بينما ارتفعت حركة الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بنسبة 74% خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس حجم الضغط الذي يمكن أن تتعرض له مصر عندما تُعاد صياغة مسارات التجارة بعيدًا عن البحر الأحمر والقناة.

وقال السعيطي إن التعامل مع هذا النوع من المخاطر لا يجب أن يقتصر على متابعة الأزمة وانتظار هدوء التوترات، بل يتطلب رؤية أكثر شمولًا تقوم على تقليل التعرض للصدمات من الأساس، من خلال سياسات استباقية أكثر جاهزية ومرونة. وأوضح أن أول أولوية في هذا الملف يجب أن تكون بناء سياسة أكثر كفاءة للمخزون الاستراتيجي، لا تقتصر على السلع النهائية فقط، بل تمتد أيضًا إلى مدخلات الزراعة الأساسية التي تتأثر سريعًا بأي اضطراب جيوسياسي. وأضاف أن المشكلة في مثل هذه الأزمات لا تكون في السعر فقط، بل في توقيت الإمداد وتذبذب التوريد، وهو ما يجعل وجود مخزون أمان مدروس ضرورة حقيقية لحماية السوق.

كما شدد على أهمية تنويع مصادر التوريد، بحيث لا تبقى مصر معتمدة على منطقة واحدة أو مسار واحد في الحصول على الخامات ومدخلات الإنتاج الحساسة، مؤكدًا أن المرونة الحقيقية تبدأ قبل الأزمة، وليس بعدها، من خلال بناء شبكة توريد متوازنة تقلل من تركّز المخاطر في نقطة جغرافية واحدة.

وأضاف أن هناك مسارًا استراتيجيًا مهمًا لا بد من التوسع فيه، وهو تعميق التمركز الصناعي المصري في مجالات الأسمدة والطاقة النظيفة، خاصة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، موضحًا أن هذا التوجه لا يجب النظر إليه باعتباره مجرد خيار تنموي أو بيئي، بل باعتباره جزءًا من تعزيز الأمن الاقتصادي والغذائي لمصر على المدى المتوسط والطويل. وفي هذا الإطار، أعلنت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس في يوليو 2024 أن مشروع Egypt Green Hydrogen في السخنة فاز بعقد بقيمة 397 مليون يورو لتصدير الأمونيا المتجددة إلى أوروبا حتى 2033، مع بدء توريدات محتملة من 2027.

ولفت كذلك إلى أن رفع كفاءة استخدام الأسمدة داخل مصر لا يقل أهمية عن تأمين الإمداد نفسه، لأن تقليل الفاقد وتحسين كفاءة الاستخدام يمثلان خط دفاع داخليًا مهمًا في مواجهة ارتفاع الأسعار العالمية، مشيرًا إلى أن تطوير الإرشاد الزراعي، وتحليل التربة، والتوسع في التسميد الدقيق، كلها أدوات عملية يمكن أن تخفف من أثر الضغوط الخارجية على السوق المحلية.

واختتم الدكتور سعيد السعيطي تصريحاته بالتأكيد على أن مضيق هرمز يجب أن يُنظر إليه اليوم باعتباره مؤشرًا مهمًا على هشاشة بعض سلاسل الإمداد، وليس مجرد عنوان لأزمة طاقة عابرة، موضحًا أن مصلحة مصر لا تكون فقط في متابعة التطورات، بل في تحويل هذه التحديات إلى فرصة لإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والزراعية واللوجستية بشكل أكثر استعدادًا للمستقبل.

وأضاف في ختام تصريحاته: “الأمن الغذائي لا يبدأ من الحقل فقط، بل يبدأ أيضًا من فهم خريطة الإمداد العالمية، ومعرفة أين تتشكل الضغوط قبل أن تصل إلينا. وكلما نجحت مصر في بناء مخزون أذكى، وتنويع أكبر لمصادر التوريد، وكفاءة أعلى في الاستخدام، وقدرة صناعية ولوجستية أقوى، أصبحت أكثر قدرة على امتصاص الأزمات وأقل عرضة لتحمل تكلفة اضطرابات تُصنع خارج حدودها”.




تم نسخ الرابط