عقارب الساعة.. رحلة البحث عن نهار لا ينتهي
مقال بقلم الكاتبة الصحفية/ رشا يوسف باشا
لطالما استوقفني ذلك السؤال الذي يُلحّ على ذهني في كل مرة نعبث فيها بعقارب ساعاتنا: لِمَ نُصرُّ على ترويض الزمن؟ وما الذي يدفعنا لسرقة ساعة من ليلنا لنمنحها لنهارنا؟ هذا السؤال كان الخيط الذي قادني للنبش في دفاتر التاريخ، لأكتشف أن خلف تلك الدقائق التي نغيرها قصصاً تجمع بين الطرافة، والشغف، وقسوة الحروب.
بدأت الحكاية بلمحة ذكاء لم تخْلُ من السخرية؛ حين كتب بنجامين فرانكلين من باريس في أواخر القرن الثامن عشر مقالاً يدعو فيه الناس للاستيقاظ مع شروق الشمس توفيراً للشموع. كانت مجرد دعابة أدبية في الإقتصاد، لكنها زرعت في العقل البشري فكرة أن "الضوء ثروة" لا يجب تبديدها في النوم .
ثم انتقل الشغف إلى هواة الطبيعة؛ فعالم حشراتٍ أراد وقتاً أطول لمطاردة فراشاته قبل الغروب، وبنّاءٌ طموح هو الآخر ضاق ذرعاً بضياع ساعات الصباح الباكر والناس غارقون في سباتهم. هؤلاء لم يريدوا تغيير الأرقام، بل أرادوا "تمطيط" الحياة لتسع هواياتهم وأحلامهم .
لكن الزمن لا يتغير بالمقالات والأماني وحدها، بل غيرته "الحرب". ففي عام 1916، وبينما كانت المدافع تدوّي في أوروبا، كانت ألمانيا أول من أقرّ "التوقيت الصيفي" رسمياً. لم يكن الأمر ترفاً، بل كان محاولة مستميتة لتوفير الفحم والوقود، وتوجيه كل طاقة ممكنة نحو جبهات القتال. ومن خنادق الحرب، خرجت فكرة تقديم الساعة لتجوب العالم وتستقر في بيوتنا .
واليوم، ونحن نحرك تلك العقارب الصغيرة، نجد أنفسنا في صراع بين "ساعتنا البيولوجية" التي تهوى الإستقرار، وبين عالمنا الحديث الذي يقدس الإستغلال الأمثل لكل شعاع ضوء .
لقد وجدتُ في التاريخ أننا لا نغير الوقت عبثاً، بل نحن في محاولة أزلية ومستمرة لإمساك خيوط الشمس لأطول فترة ممكنة، وكأننا نرفض أن ينتهي النهار قبل أن نرتوي من الحياة.