حين يتحول الطعام إلى “بديل للدواء”.. من يدفع الثمن؟
بقلم الكاتبة الصحفية: رشا يوسف باشا
الجدل الحاصل الفترة دى حول بعض الأفكار المنتشرة عن العلاج بالطعام، أعتقد أن الرد عليه موجود ببساطة ووضوح فى قول الله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا} [المائدة: 87]
وفى آية أخرى يقول سبحانه وتعالى:
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].
الفكرة ببساطة أن كل ما أحله الله لنا لا يجوز أن نحرّمه على الناس بلا علم، لكن فى نفس الوقت المطلوب هو الاعتدال، والأخذ فى الإعتبار حالة كل إنسان وطبيعة مرضه وتأثير بعض الأطعمة عليه .
أكيد الأكل ونوعيته يساهمان فى الوقاية والعلاج وتحسين الصحة، ولا أحد ينكر ذلك، لكن المشكلة فى تقديم الأمر وكأن الطعام وحده حل سحرى لكل الأمراض، وكأننا نستطيع الإستغناء عن الطب والعلاج تماماً، وهنا يجب أن نحكّم العقل.
أنا لست مع أحد ولا ضد أحد، لكن بالعقل والمنطق.. هل يعقل أن نترك العلاج ونقول إن الطعام وحده هو الشفاء؟
نعم، الأكل مهم جداً، ويمكن أن يساهم فى العلاج، كما أن هناك أطعمة قد تضر مريضاً معيناً، لكن هل معنى ذلك أن نستغنى عن الطب والأدوية؟ بالطبع لا.
هناك أجهزة فى الجسم تتضرر بالفعل بسبب المرض، ولهذا نجد مريض ضغط، وآخر سكر، وآخر كلى، وآخر كبد، وغيرهم كثير أصبحت الأجهزة المسؤولة عن صحتهم بها خلل ولابد من مساعدة خارجية والعلاج هو المساعدة هنا فكيف بعد كل هذا نقول إن الطعام وحده يكفى للعلاج؟
على سبيل المثال لا الحصر لم يعد البنكرياس فى جسم الإسان يعمل بصورة طبيعية. فمريض السكر الذى تضرر البنكرياس لديه، هل ينفع معه الطعام فقط دون أنسولين؟ ومريض الفشل الكلوى، هل يستطيع التوقف عن الغسيل ونقول له إن الغذاء وحده سيكفى؟ هذه أمور خطيرة جداً، ولا تحتمل التبسيط أو نشر أفكار غير مدروسة.
وللأسف، هناك حالات نراها بالفعل على أرض الواقع، أشخاص تركوا علاجهم واتجهوا فقط لبعض الوصفات والأفكار المنتشرة عن "العلاج بالطعام"، ثم انتهى بهم الحال فى المستشفيات، تحت محاولات لإنقاذهم بعدما تدهورت حالتهم الصحية.
لا أحد ينكر فضل الغذاء الصحى، بل على العكس، تنظيم الطعام من الأساسيات المهمة جداً فى حياة الإنسان، وكان من الأفضل أن نتعلم منذ الطفولة معنى التغذية السليمة، وتنظيم الوجبات، ومعرفة الأطعمة التى تفيد الجسم، والأخرى التى قد تضر، وكيفية الجمع الصحيح بين الأكلات لتحقيق أكبر فائدة.
لكن تحويل الأمر إلى فكرة مطلقة، وأن الطعام هو العلاج الوحيد، فهذا خطأ كبير.
ولو كان الطعام وحده يشفى كل شىء، فما الداعى لكل هذا العلم؟ ولماذا وُجد الطب من الأساس؟ ولماذا اجتهد العلماء والأطباء عبر السنين؟ ولماذا كان ابن سينا وغيره من كبار العلماء أطباء ووضعوا علاجات وأدوية؟ هل كان كل ذلك بلا فائدة؟
الواقع يقول إن كل جسم يختلف عن الآخر، وكل حالة لها طبيعتها الخاصة، وما ينفع شخصاً قد لا ينفع غيره. لذلك لا يمكن التعميم فى أمور تخص صحة الناس وحياتهم .
أما الحديث عن تحريم أطعمة وتحليل أخرى دون علم دينى أو طبى، فهو أيضًا أمر خطير. فكل الطعام حلال طيب إلا ما حرمه الله سبحانه وتعالى صراحة. ولو كانت الفراخ ميتة، أو الطعام فيه دم أو لحم خنزير، فهنا التحريم واضح وصريح. لكن كيف نمنع أطعمة خلقها الله لنا وفيها نفع كبير لمجرد اجتهادات شخصية غير مدروسة؟
وكيف نُحرّم اللبن مثلاً، وهو الشراب الذى اختاره النبى صلى الله عليه وسلم، وجاء ذكره كنعيم لأهل الجنة؟
المشكلة ليست فى الطعام نفسه، بل فى المبالغة، وفى تصدير أفكار للناس وكأنها حقائق مطلقة دون علم كافٍ أو فهم للحالات المختلفة.
الأكل مهم جداً، نعم.. لكنه ليس بديلاً دائماً عن العلاج، خاصة مع الأمراض المزمنة والخطيرة. والوعى الحقيقى هو أن نفهم أن العلاج علم، والغذاء جزء من هذا العلم، وليس بديلاً عنه .
لذلك، قبل أن ننشر أى فكرة أو ننصح الناس بترك العلاج، علينا أن نفكر جيداً، لأن الكلمة قد تؤذى مريضاً يبحث عن أمل، فيتمسك بفكرة خاطئة قد تدفعه إلى التهلكة دون أن يشعر.