جريدة تحيا مصر

اخر الأخبار
ads

الصحة

مترجم: نظرة جديدة على الاكتئاب.. حيلة دفاعية وليس مرضًا

الإثنين 22/فبراير/2021 - 11:51 م
تحيا مصر
طباعة
بوابة تحيا مصر
ads

عتُبر الاكتئاب خللًا ومرضًا على مدى أجيال، لكن ماذا لو كان الاكتئاب جزءًا مهمًا من نظام دفاعنا البيولوجي؟ ماذا لو أسأنا فهم الاكتئاب كليًا؟ هذه الأسئلة التي تطرحها الطبيبة والكاتبة أليسون إسكالانت في مقالها المنشور بمجلة «سايكولوجي توداي» الأمريكية، والتي تستعرض من خلالها النظريات الجديدة التي تُصنّف الاكتئاب بصورةٍ مختلفة عن المعتاد.

ناجون شجعان
يتزايد عدد الباحثين المتشككين في تعريفات الاكتئاب الموجودة حاليًا، ويرى علماء مختصون في الأنثروبولوجيا البيولوجية أن الاكتئاب هو استجابة تكيفية للشدائد، وليس اضطرابًا عقليًا. في أكتوبر (تشرين الأول)، نشرت الجمعية البريطانية لعلم النفس تقريرًا جديدًا عن الاكتئاب جاء فيه أنه «من الأفضل اعتبار الاكتئاب تجربةً، أو مجموعة من الخبرات، عوضًا عن مرض». ويركز علماء الأعصاب حاليًا على دور الجهاز العصبي اللاإرادي في الاكتئاب. وتشير الكاتبة إلى نظرية پولي فاغال (Polyvagal theory) للجهاز العصبي اللاإرادي، والتي تقول إن الاكتئاب جزءٌ من إستراتيجية دفاع بيولوجي تهدف إلى مساعدتنا للبقاء على قيد الحياة.

«الأشخاص المصابون بالاكتئاب هم ناجون شجعان وليسوا معتلّين معطوبين»

يقول الرأي الشائع الحاليّ بأن بداية الاكتئاب تكمن في العقل حيث التفكير المشوّه، وهو ما يؤدي إلى أعراض نفسية – جسدية مثل: الصداع، وآلام المعدة، والإرهاق، أو الإجهاد. غير أن نماذج أخرى مثل نظرية پولي فاغال تقول إننا فهمنا الأمر بالعكس، وأن الجسم هو الذي يكتشف الخطر، ومن ثم يبدأ بإستراتيجية دفاعية تهدف إلى مساعدتنا على البقاء. تُسمى هذه الإستراتيجية البيولوجية بالتجميد، وتتمظهر في العقل والجسم ضمن مجموعة من الأعراض نُسمّيها نحن بالاكتئاب.

تقول الكاتبة إن تفكيرنا بالاكتئاب باعتباره معاناة غير عقلانية وغير ضرورية يؤدي بنا إلى سلب الأمل من الناس وإلحاق الوصمة بهم، لكن عندما نبدأ في فهم أن الاكتئاب يحدث لسبب وجيه – المرحلة الأولية على الأقل – فإن الوصمة المرتبطة بالاكتئاب تزول. وتضيف الكاتبة: الأشخاص المصابون بالاكتئاب هم ناجون شجعان، وليسوا معتلّين معطوبين.



تطرح الكاتبة قصة لورا مثالًا، وهي امرأة تعتقد أن الاكتئاب أنقذ حياتها. كان والد لورا يؤذيها بالكلمات في غالب الوقت، ولكن والدها أصبح مصدر خطر حين تصدّت لورا له للدفاع عن نفسها. في مواقف مشابهة، تعلو النظرات الضارية على وجه والدها وقد آلت الأمور إلى تعرّض حياة لورا للخطر في أكثر من مرة لهذي الأسباب. تقول الكاتبة: إن والد لورا كان متبصرًّا ودقيق الملاحظة، لدرجةٍ يتمكن فيها من معرفة متى تعتمل روح التمرد في داخلها، وقد نكّل بها لذلك.

تعتبر الكاتبة أن الاكتئاب هو ما ساعد لورا على النجاة والصمود في ظلّ هذه الظروف، إذ ساعدها على كبحِ بعضٍ من مشاعرها ومنعها من المقاومة لقبول ما لا يمكن قبوله. خدّر الاكتئاب مشاعر لورا المتمردة. نشأت لورا في زمنٍ لم يكن فيه أحدٌ حولها لتخبره بما يحصل، ولا مكان لها لتلجأ إليه أو لتتلقى مساعدة من خارج منزلها. كانت الإستراتيجية الأنسب للورا في ذلك الموقف هو البقاء والنجاة في ذلك المنزل، وقد فعلت.

لا تأسف لورا على اكتئاب طفولتها حينما تستذكر ذلك الماضي، بل تقدّره. تعتبر لورا أن الاكتئاب ساعدها على عملية التعافي كما ساهم معالجها النفسي في هذا المضمار. تنوّه الكاتبة إلى قساوة قصة لورا، وشناعة الأمر بالمجمل، لكن تعتبر الكاتبة أن هذا يساعدنا على فهم أنه، وبالرغم من الاكتئاب قد يحدث لسبب وجيه، فإنه يبقى أمرًا غير جيد. عانت لورا بشدة في حياتها ووصفت ألم قنوطها بجلاء واستفاضة. كان اكتئاب لورا تجربةً سيئة ابتدأت كملاذٍ أخير لنظامٍ بيولوجي مكافح.




استجابة بيولوجية
وفقًا لنظرية پولي فاغال التي اكتشفها وصاغها عالم الأعصاب ستيفن بورغيس، تستند تجربتنا اليومية إلى تسلسل هرمي للحالات في الجهاز العصبي اللاإرادي. عندما يشعر الجهاز العصبي اللاإرادي بالأمان، نختبر الشعور بالعافية والتواصل الاجتماعي. نشعر بأننا أنفسنا. لكن الجهاز العصبي اللاإرادي مشغول باستمرار بمسح بيئتنا الداخلية والخارجية بحثًا عن علامات الخطر، وإن اكتشف أيّ تهديد أو حتى نقص بسيط في الأمان يتحوّل لإستراتيجيته التالية: استجابة «القتال أو الفرار» التي نتلقاها غالبًا على هيئة قلق (anxiety).

يكون التهديد أحيانًا سيئًا للغاية أو يستمر لفترة طويلة، بحيث يقرر الجهاز العصبي أنه لا توجد طريقة لتنفيذ استجابة القتال أو الفرار، ولا يتبقّ لديه في هذه المرحلة وفقًا للكاتبة إلا خيار واحد: التجميد. تعتبر استجابة التجميد من آليات الدفاع البيولوجية الأصلية في الحيوانات العليا، وتظهر باستجابة «التجمّد» أو «الإغماء» لدى الحيوانات. تحفز استجابة التجمد من خلال العصب المبهم الظهري، حيث تنخفض عملية الأيض الغذائي ليتحول إلى وضع الراحة؛ وهو ما يؤدي بدوره إلى شعور الناس بالخمول أو الدوار.

تؤكد الكاتبة أن لهذه الاستجابة دورًا مهمًا إذ تخفف الألم، وتجعلنا نشعر بوجود مسافة عن مسببه، وتطرح الكاتبة مثالًا أرنبًا معلّقًا في فم ثعلب ينتظر أن يُؤكل، يغلق نظام الأرنب على نفسه لكي لا يعاني بشدّة حين يلتهمه الثعلب. ولاستجابة التجمّد تأثير أيضيّ، إذ تتباطأ عملية الأيض الغذائي ويتحول الجسم إلى وضع فرط كيتون الجسم أو الكيتوزية (Ketosis). يخمّن بعض الأطباء وجود أثر إيجابي لهذه الحالة الأيضيّة في الشفاء من الأمراض الشديدة.



بالنسبة للبشر: كثيرًا ما يصف الناس شعورهم بأنهم «خرجوا من أجسادهم» أثناء الأحداث المروعة، وهو ما يتسم بتأثير دفاعي يساهم في تخفيف الصدمة العاطفية. وهو أمر بالغ الأهمية لأن بعض المواقف فظيعة للغاية إلى درجة يفضل ألا يكون الناس حاضرين تمامًا لحظة حدوثها وفقًا للكاتبة.

ولذا تأتي استجابة التجمد جزءًا أساسيًا من آليات الدفاع البيولوجية، وهي استجابة مصممة بصورةٍ مثالية من أجل الفترات الزمنية القصيرة. إما أن يساعد توقف عملية الأيض بالمحافظة على الكائن الحيّ – أن يقدر الأرنب على النجاة – أو يموت الكائن الحيّ – أن يأكل الثعلب الأرنب في المثال المذكور – لكن إذا استمر التهديد إلى فترةٍ طويلة ولم يكن هناك من سبيل للقتال أو الفرار، فإن ردّ التجمد يستمر. وبما أن الاستجابة تغير في نشاط الدماغ أيضًا، فسيؤثر هذا على عواطف الناس وقدرتهم على حلّ المشكلات. يشعر الناس أنهم عاجزون عن الحركة جسديًا أو عقليًا، يشعر الناس باليأس والعجز، وهي علامات الاكتئاب.

هل للاكتئاب قيمة؟
قد يسهلُ فهم تسبب ظروف طفولة لورا بالوصول إلى استجابة التجميد، وحتى كيف ساعدها ذلك في سياق قصتها للنجاة والصمود. لكن ماذا عمّن يمرون بمحنٍ أقل وضوحًا؟ تميل ثقافتنا إلى التفكير في الاكتئاب لدى الأشخاص الذين يرهقهم العمل باعتباره علامةً على الضعف، وتتحدث مقالات التنمية الذاتية عن وجوب السعي لرفع المتانة الذهنية لديهم، وكيفية معالجة الأمر بهذه الطريقة أو تلك. قد يُقابل هؤلاء الأشخاص بنصائح مماثلة حتى من معالجيهم النفسيين، الذين قد يخبرونهم أن اكتئابهم ليس إلا تصورًا مشوهًا للظروف، وأن ظروفهم ليست بذلك السوء.

لكن ليست هذه الطريقة التي يراها الجسد. تشرح الكاتبة أن ردود الجهاز العصبي اللاإرادية – سواء استجابة القتال/الهروب أو التجميد – لا تتعلق بطبيعة المحفّز الفعلية، بل تتعلق بقرار الجسد إذا كان الأمر يشكّل تهديدًا أم لا وهو ما يحدث في مرحلة ما قبل الوعي. تبدأ الاستجابة للتهديد البيولوجي قبل أن نفكر في الأمر، ومن ثم يختلق دماغنا الأعلى قصةً لشرحه. وبالتالي لا يحقّ لنا اختيار هذه الاستجابة، إذ تحدث قبل أن نعرف.

كشفت دراسات القلق أن العديد من الظروف الحديثة تحفز لدينا استجابة القتال أو الفرار، على سبيل المثال: تبدو بعض أصوات الهدير المنخضة لأصوات معدّات البناء، مثل: زمجرة حيوانٍ مفترس كبير بالنسبة لأجهزتنا العصبية، ما يُحفّز استجابات معيّنة. كذلك شعور الأطفال بأنهم خاضعون للتقييم في المدرسة ما يبتر شعورهم بالأمان، ويحفّز استجابة القتال، أو الفرار لديهم، وهو ما قد يدفعهم لسلوكيات عدوانية تجاه المعلم، أو تجنب الواجبات المنزلية. تتبدّى استجابة القتال، أو الهروب، لمعظمنا على منوال ما يتبدّى القلق.

وفي النهاية إذا استمرت هذه المحفزات الحديثة الطابع لفتراتٍ طويلة قد يقرر الجسم أنه لا يمكنه الهروب منها، ومن ثم تأتي حالة التجمد إستراتيجية دفاعية من أجسامنا. وفقًا لبورغ، ما نسميه الاكتئاب هو عبارة عن مجموعة الأعراض العاطفية والإدراكية التي تتربع على قمة الجانب الفسيولوجي لاستجابة التجميد. باختصار: هي إستراتيجية موضوعة فينا بغرض النجاة، يحاول الجسد إنقاذنا. يحدث الاكتئاب لسبب وجيه في الأساس.

سبيل الخروج
إذا كان الاكتئاب هو التعبير العاطفي عن استجابة التجمّد البيولوجية، فإن الحلّ هو الخروج من الحالة الدفاعية تلك. يعتقد بورجيس أنه لا تكفي إزالة التهديد فحسب، بل يتعيّن على الجهاز العصبي أيضًا اكتشاف إشارات الأمان المتينة للقدرة على استعادة الحالة الاجتماعية الصحيحة. والسبيل الأفضل لذلك وفقًا للكاتبة يكمن في التواصل الاجتماعي.
من أعراض الاكتئاب الشعور بالخزي إذ يشعر المكتئب بأنه خذل الآخرين، أو لا يستحق البقاء معهم. بهذا الصدد تقول الكاتبة: إن إخبار الناس بأن الاكتئاب هو انحراف عما يجب، فإننا نرسل رسالة للمصائبين بالاكتئاب بأنهم ليسوا جزءًا من المجموعة، أنهم ليسوا على صواب، وبذلك يُسلب الانتماء منهم. حينها يتعمق شعورهم بالخجل والانزواء ويقلّ تواصلهم الاجتماعي أكثر فأكثر. تعتبر الكاتبة أن هذا كفيلًا بإغلاق سبل الخروج من الاكتئاب.

تختتم الكاتبة بالقول: آن أوان البدء في تكريم شجاعة وقوة المصابين بالاكتئاب. آن أوان تقدير قابلية بيولوجيتنا المذهلة لإيجاد طرقٍ في الأوقات الصعبة، والتوقف عن التظاهر بأن الأشخاص المصابين بالاكتئاب مختلفون عن أيّ شخصٍ آخر.

هذا المقال مترجمٌ عن المصدر الموضَّح أعلاه؛ والعهدة في المعلومات والآراء الواردة فيه على المصدر لا على «تحيا مصر».

إرسل لصديق

ads
ads

تصويت

ما هي توقعاتك لقرار البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة

ما هي توقعاتك لقرار البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة

تابعنا على فيسبوك

تابعنا على تويتر