تمكين الإستدامة في شركات التأمين: دور محوري للموارد البشرية
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإقتصاد العالمي، لم يعد نجاح المؤسسات يُقاس فقط بحجم الأرباح أو الحصة السوقية، بل أصبح مرتبطًا بقدرتها على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والمسؤولية الاجتماعية والبيئية، وهو ما عزز من أهمية تبني معايير الاستدامة البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) كإطار متكامل لإعادة تعريف الأداء المؤسسي .
ويشير مفهوم ESG إلى ثلاثة محاور رئيسية تشمل البعد البيئي، والبعد الاجتماعي، والحوكمة، والتي أصبحت تمثل عناصر أساسية في تقييم أداء المؤسسات من قبل المستثمرين والجهات التنظيمية والعملاء، خاصة في القطاعات المالية وعلى رأسها قطاع التأمين، الذي لا يقتصر دوره على إدارة المخاطر بعد وقوعها، بل يمتد إلى تسعيرها والتأثير على السلوك الاقتصادي والإجتماعي .
وفي هذا السياق، برزت إدارات الموارد البشرية كشريك استراتيجي رئيسي في قيادة التحول نحو الاستدامة داخل شركات التأمين، حيث لم يعد دورها مقتصرًا على المهام الإدارية التقليدية، بل أصبح يمتد إلى بناء الثقافة المؤسسية، وإدارة التغيير، وتطوير القيادات، وتعزيز السلوك الأخلاقي، ودمج مفاهيم الاستدامة في الممارسات اليومية، بما يجعلها الجهة المسؤولة عن تحويل الاستراتيجيات إلى سلوك فعلي داخل المؤسسات.
وعلى صعيد البعد البيئي، تبدأ مساهمة الموارد البشرية منذ مرحلة التوظيف، من خلال استقطاب كوادر تمتلك وعيًا بمفاهيم الاستدامة، إلى جانب العمل على نشر الثقافة البيئية داخل بيئة العمل عبر برامج تدريبية وتوعوية مستمرة تستهدف ترشيد استهلاك الموارد، وتقليل الاعتماد على الورق، وتبني الحلول الرقمية، وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية. كما تسهم في ربط تقييم الأداء الوظيفي بمؤشرات الاستدامة البيئية، بما يعزز التزام الموظفين بالسلوكيات الإيجابية، فضلًا عن دعم التحول الرقمي كأداة رئيسية لخفض استهلاك الموارد وتحقيق الكفاءة التشغيلية.
وفيما يتعلق بالبعد الاجتماعي، تمثل الموارد البشرية الركيزة الأساسية في بناء بيئة عمل قائمة على الثقة والمصداقية، خاصة أن الخدمة التأمينية تعتمد على علاقة غير ملموسة بين الشركة والعميل. ويشمل ذلك تعزيز التنوع والشمول داخل المؤسسات، ليس فقط من حيث النوع أو العمر، بل أيضًا من حيث الخلفيات التعليمية والثقافية والخبرات المهنية، بما ينعكس على تحسين فهم احتياجات العملاء، وزيادة القدرة على الابتكار، وتقليل التحيز في اتخاذ القرار.
كما تضطلع الموارد البشرية بدور محوري في تحسين رفاهية الموظفين، من خلال تقديم برامج دعم الصحة النفسية، وتوفير أنظمة عمل مرنة، وتحقيق التوازن بين الحياة والعمل، وهو ما ينعكس على رفع الإنتاجية، حيث تشير الدراسات إلى أن المؤسسات التي تهتم برفاهية موظفيها تحقق معدلات إنتاجية أعلى تتراوح بين 15% و25%.
وتشمل أدوارها أيضًا تحقيق العدالة الوظيفية من خلال بناء أنظمة تقييم شفافة تعتمد على معايير واضحة ومؤشرات أداء محددة، بما يضمن العدالة في الأجور والترقيات وتوزيع المهام، إلى جانب الاستثمار في تطوير رأس المال البشري عبر برامج تدريب مستمرة تستهدف سد الفجوات المهارية ومواكبة التحولات الحديثة، خاصة في مجالات تحليل البيانات، وإدارة المخاطر المناخية، والأمن السيبراني، والنماذج الاكتوارية.
أما في جانب الحوكمة، فتسهم الموارد البشرية في ترسيخ الثقافة الأخلاقية داخل المؤسسات من خلال تحويل القيم المؤسسية إلى ممارسات يومية، ودمج مفاهيم النزاهة في عمليات التوظيف والتدريب، إلى جانب تطوير أنظمة تقييم أداء شاملة لا تقتصر على النتائج فقط، بل تشمل أيضًا السلوك وطريقة تحقيق هذه النتائج ومدى الالتزام بالقيم المؤسسية.
كما تلعب دورًا مهمًا في دعم الامتثال وإدارة المخاطر، من خلال تدريب الموظفين على القوانين واللوائح التنظيمية، وتحديث السياسات الداخلية، وضمان الالتزام بمتطلبات الجهات الرقابية، بما يسهم في تقليل المخاطر التشغيلية وتعزيز الاستقرار المؤسسي. وينعكس ذلك بشكل مباشر على تحسين تجربة العملاء، من خلال تقليل الأخطاء في معالجة المطالبات، وتعزيز الشفافية، وتقليل النزاعات، وتسريع تقديم الخدمات.
ورغم هذه الأهمية المتزايدة، تواجه شركات التأمين عددًا من التحديات في تطبيق معايير ESG، من أبرزها صعوبة قياس بعض المؤشرات، خاصة في البعد الاجتماعي مثل رضا الموظفين والثقافة المؤسسية، إلى جانب مقاومة التغيير داخل المؤسسات، ونقص الكفاءات المتخصصة في مجالات الاستدامة، فضلًا عن التكلفة الأولية المرتفعة لتطبيق هذه المعايير، والتي تشمل الاستثمار في الأنظمة الرقمية والتدريب وتطوير السياسات.
وفي المقابل، تشير الاتجاهات المستقبلية إلى تزايد الاعتماد على تحليلات الموارد البشرية (HR Analytics) لاتخاذ قرارات أكثر دقة، ودمج التكنولوجيا في إدارة الأداء والتدريب، إلى جانب ظهور وظائف جديدة مرتبطة بالاستدامة مثل أخصائي ESG، ومدير الموارد البشرية للاستدامة، ومسؤول الامتثال والأخلاقيات، ومحلل الثقافة التنظيمية.
وفي هذا الإطار، أكد اتحاد شركات التأمين المصرية أن تمكين الاستدامة يمثل أولوية استراتيجية لمستقبل القطاع، مشددًا على أن رأس المال البشري هو العنصر الحاسم في نجاح تطبيق معايير ESG، من خلال التدريب المستمر، وتعزيز الابتكار، وترسيخ قيم الحوكمة والشمول المالي .
وأشار الاتحاد إلى حرصه على دعم الشركات الأعضاء عبر تنظيم ورش عمل متخصصة وإصدار نشرات توعوية، تركز على بناء قدرات الموارد البشرية، وتصميم منتجات تأمينية مستدامة، ودمج البعد الاجتماعي في السياسات الداخلية، بما يعزز دور قطاع التأمين كركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.