شرق أفريقيا.. سوق تأميني واعد يفتح آفاقًا جديدة أمام شركات التأمين المصرية
في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى القارة الأفريقية باعتبارها أحد أسرع الأسواق نموًا عالميًا، تبرز منطقة شرق أفريقيا كواحدة من أكثر المناطق الواعدة لصناعة التأمين، مدعومة بمعدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وزيادة أعداد السكان، والتوسع في استخدام التكنولوجيا المالية، وهو ما يجعلها وجهة جاذبة أمام شركات التأمين وإعادة التأمين الباحثة عن أسواق جديدة.
وفي هذا الإطار، أصدر الاتحاد المصري للتأمين دراسة متخصصة تناولت واقع صناعة التأمين في دول شرق أفريقيا، ضمن سلسلة دراسات تستهدف استعراض أوضاع الأسواق التأمينية بالقارة، ونقل التجارب الناجحة، وتعزيز فرص التعاون بين الأسواق الأفريقية، بما يدعم التكامل الإقليمي ويرفع كفاءة صناعة التأمين.
سوق لا يزال في بداية الطريق
وأوضحت الدراسة أن أسواق التأمين في شرق أفريقيا، رغم ما حققته من معدلات نمو متسارعة خلال السنوات الأخيرة، لا تزال تمتلك فرصًا ضخمة للنمو، إذ يبلغ متوسط معدل انتشار التأمين نحو 1.57% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط عالمي يقترب من 7%، وهو ما يعكس اتساع قاعدة العملاء غير المشمولين بالخدمات التأمينية.
ويرى الاتحاد المصري للتأمين أن هذه الفجوة تمثل فرصة استثمارية كبيرة لشركات التأمين، خاصة مع تنامي الوعي بأهمية الحماية التأمينية، وارتفاع الطلب على الخدمات المالية في دول المنطقة.
كينيا تقود السوق.. ورواندا وأوغندا الأسرع نموًا
وبحسب الدراسة، تتصدر كينيا أسواق التأمين في شرق أفريقيا، حيث تمتلك أكبر حجم للأقساط التأمينية في المنطقة، ويبلغ معدل انتشار التأمين بها نحو 2.25%، مع تحقيق نمو سنوي في الأقساط يتراوح بين 8 و10%.
كما سجلت أوغندا نموًا لافتًا في القطاع، حيث ارتفعت الأقساط التأمينية بنحو 10% خلال عام 2024، فيما قفزت أقساط التأمين متناهي الصغر بأكثر من 131%، مدفوعة ببرامج الشمول المالي والتوسع في الخدمات الرقمية.
أما رواندا، فقد واصلت تنفيذ إصلاحات تنظيمية ورقابية ساهمت في جذب الاستثمارات وتطوير المنتجات التأمينية، بينما تشهد تنزانيا توسعًا تدريجيًا في التأمين الزراعي وبرامج التأمين منخفضة التكلفة.
التكنولوجيا تعيد تشكيل الصناعة
وأكد الاتحاد أن التحول الرقمي أصبح المحرك الرئيسي لنمو قطاع التأمين في شرق أفريقيا، حيث لعبت تطبيقات الهواتف المحمولة، ومنصات الدفع الإلكتروني، والتكنولوجيا المالية دورًا محوريًا في توسيع قاعدة العملاء، والوصول إلى المناطق الريفية والنائية.
كما بدأت الشركات في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة لتطوير عمليات الاكتتاب، وتسوية المطالبات، والكشف عن حالات الاحتيال، بما يسهم في تحسين كفاءة التشغيل وخفض التكاليف.
وتعد التجربة الكينية في استخدام المحافظ الإلكترونية وربطها بالخدمات التأمينية من أبرز النماذج الناجحة التي أسهمت في زيادة انتشار التأمين بين الأفراد.
التأمين الزراعي.. ضرورة اقتصادية
وأبرزت الدراسة أهمية التأمين الزراعي باعتباره أحد أسرع فروع التأمين نموًا في المنطقة، في ظل اعتماد اقتصادات شرق أفريقيا بشكل كبير على النشاط الزراعي، وما تواجهه من تحديات مرتبطة بالتغيرات المناخية والجفاف والفيضانات.
وأكد الاتحاد أن التوسع في التأمين الزراعي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة لدعم الأمن الغذائي وحماية دخول المزارعين، خاصة مع زيادة المخاطر المناخية عالميًا.
كما يشهد التأمين متناهي الصغر توسعًا ملحوظًا، باعتباره أحد أهم أدوات تحقيق الشمول التأميني، من خلال تقديم وثائق منخفضة التكلفة تناسب أصحاب الدخول المحدودة والعاملين بالقطاع غير الرسمي.
تحديات ما زالت قائمة
ورغم الفرص الواعدة، تشير الدراسة إلى استمرار عدد من التحديات التي تحد من سرعة نمو القطاع، أبرزها انخفاض الوعي التأميني، وتفاوت الأطر التشريعية والتنظيمية بين دول المنطقة، وارتفاع تكاليف التوزيع التقليدية، إضافة إلى التأثيرات الاقتصادية العالمية، والتغيرات المناخية التي تفرض ضغوطًا متزايدة على شركات التأمين.
وترى الدراسة أن التغلب على هذه التحديات يتطلب الاستثمار في التكنولوجيا، وتطوير التشريعات، وابتكار منتجات تتناسب مع طبيعة الأسواق الأفريقية.
فرص أمام شركات التأمين المصرية
وأكد الاتحاد المصري للتأمين أن التطورات المتسارعة التي يشهدها سوق التأمين في شرق أفريقيا تمثل فرصة حقيقية أمام شركات التأمين المصرية للتوسع خارج السوق المحلية، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها خلال السنوات الماضية، سواء في مجالات التأمين الطبي أو الممتلكات أو التأمين متناهي الصغر أو التحول الرقمي.
كما تتيح اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية AfCFTA فرصًا أكبر لتعزيز التعاون بين شركات التأمين الأفريقية، وتسهيل انتقال الخدمات والاستثمارات، بما يدعم التكامل الاقتصادي بين دول القارة.
وأشار الاتحاد إلى أن التوسع في التعاون مع الأسواق الأفريقية لا يقتصر على النشاط التجاري فقط، بل يشمل أيضًا تبادل الخبرات، والتدريب، وإعادة التأمين، وتطوير المنتجات، بما يسهم في بناء سوق تأمينية أفريقية أكثر تكاملًا وقدرة على مواجهة المخاطر.
رؤية مستقبلية
ويرى الاتحاد المصري للتأمين أن مستقبل صناعة التأمين في شرق أفريقيا يبدو واعدًا، مدفوعًا بالنمو السكاني، والتوسع الحضري، وارتفاع معدلات استخدام التكنولوجيا، وزيادة الاهتمام بالشمول المالي والتأميني.
وأكد أن نجاح شركات التأمين في اقتناص هذه الفرص سيعتمد على قدرتها على تقديم منتجات مبتكرة، والاستثمار في الحلول الرقمية، وتعزيز الاستدامة، وبناء شراكات إقليمية فعالة، بما يجعل منطقة شرق أفريقيا واحدة من أهم الأسواق المستهدفة لصناعة التأمين خلال السنوات المقبلة.
واختتم الاتحاد دراسته بالتأكيد على أن متابعة تطورات أسواق التأمين الأفريقية تمثل ركيزة أساسية لتعزيز التعاون الإقليمي، ونقل الخبرات، وفتح آفاق جديدة أمام شركات التأمين المصرية، بما يدعم نمو القطاع ويرفع مساهمته في التنمية الاقتصادية على مستوى القارة.